شو الاخبار


أحمد أعمر يكتب : يوم أكلنا لحم الخنزير حلالا طيبا

 الحرب خدعة والسلام أيضا

سكن طلابٌ في بيتي بعد نزوحي إلى بلاد الحبشة الشقراء، وهم يتصلون بي بين الفينة وأختها، وبين الحين وعدوّهِ، وبين الهدنة والحرب، وغالبا ما تكون الاتصالات في أسوأ الأحوال الجوية، هم لا يتصلون إلا عندما تختبل الطبيعة ويجنُّ جنونها، والرياح تعصف والأشجار تنتحب، على عكس بلاد العالم، وسبب ذلك أن الطائرات، بنات الكلاب، تدوخ بين الغيوم وتضلُّ طريقها بين العواصف، وتفقد حاسة الشم في الأمطار.

الغيوم تقف إلى جانب الشعب، فينال المحاصرون هدنة قصيرة، وهي هدنة حقيقية، لا خروق فيها، فيسألون عن شؤون البيت المعطلة وأسراره: لوحة الكهرباء، شبكة المياه المعطلة، مفاتيح مفقودة لأقفال وأبواب موصدة... أكثر ما أسقمهم وأعلّهم هو مضخّة الماء، فهي لا تعمل. في كل بلاد العالم الثاني تصل المياه إلى البيوت من غير ضخ، تصل بقوانين الأواني المستطرقة، إلا في بلاد الشام، وكان نزار قباني قد وصفها  قائلا: "والماء يبدأ من دمشق.. فحيثما أسندت رأسك جدول ينساب".

والمضخة كنت قد ركبّتها قبل الثورة طبعا، فأرشدتهم إلى إسعافها بالتنفيس. أنابيب الشبكة مصابة بالجلطة، المضخة مثل الغريق الذي يغرق في فنجان ماء، تحتاج إلى تنفس صناعي في كل حين، مضخة كهربائية لكنها تعمل باليد! قالوا: قمنا بمصالحة وطنية معها، نفّسنا المضخة، ونفسنا أمها أيضا، هجّرنا الهواء من أنابيب المضخة..
 
 إلى أين هجّرتم الهواء؟ هل صار للهواء مهاجر ومنافي وسجون مثلنا.. ثكلتكم أمهاتكم.

· هجّرنا الهواء  المتخثر إلى مقبرة سوريا المنتظرة، إلى إدلب.
قالوا: المضخة تعمل من غير أن تضخ الماء، أي أنها تدور على فراغ، إنها ناعورة للزينة، هي تضخ الهواء! بيّنت لهم أن شبكة المياه في العمارة من أغرب الشبكات، سألوا عن الشركة المنفذة: أهي الادخار السكني، أم المؤسسة العسكرية؟ فإحداهما أسوأ من الأخرى. أحضروا جراحاً استراتيجياً خبيراً في تتبع الهواء المحتقن في الأنابيب من القهر، ومختصاً في استخراج حصى الهواء من شرايين الألمونيوم، ثم كفّوا عن الاتصال، فقد انقطعت المياه عن الشبكة كلها، سألتهم بعد انقطاع: ما أخبار الماء؟.

قالوا: حفرنا بئرا

صحت: حفرتم بئرا! ثكلتكم أمهاتكم، هذه معجزة!
 
قالوا: بعض الثوار حفروا أنفاقاً بطول خمسة كيلومترات في الصخر، فوجدنا أن حفر بئر أسهل من النفق، حفرنا وحصلنا على الماء. كنّا محاصرين، وتسلّينا بالحفر.

هذه ثورة تحت الأرض يا أبناء الخلد.

انقطع الاتصال، بعد أيام وجدت صورة هرتي النمرية المرقطة على هاتفي، أرسلها حفارو البئر، هرة على وبرها جزر برتقالية وأخرى صفراء، وغيوم ملونة، والنظرة المستغيثة في عينيها، الصورة من فوق، والهرة تحت، أكاد أسمع مواءها، وهي تقول لهم بمنطق الهررة: أليس في قلبكم رحمة يا أولاد ...، هرة حامل وجائعة؟ دخل رجل الجنة في كلب، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها. باب الجنة مفتوح على مصراعيه منذ أن هتف فتى في درعا: الله أكبر، وأبواب العالم مغلقة.

 يزعمون دائماً أن المرأة أرقُّ من الرجل قلبا، لكن المرأة في الحديث الشريف هي التي حبست الهرة، ربما كانت بثينة شعبان من نسل تلك المرأة.

سألوا: هل هذه هرتك؟

 قلت: نعم هرتي، وهرة بناتي.

 قالوا: اقتحمت الطابق السادس من العمارة، وخمشت علينا الباب بمخالبها خمشا، ففتحناه، واستعصتْ وتأبّتْ على الخروج، لا نعرف كيف نخرجها من الشقة، احتلت الدار.

 قلت: أطعموها يا كفرة، إنها جائعة، كنت أطحن لها في المهباج النحاسي رقاب الدجاج.

 قالوا: لا نجد ما نأكل يا حضرة المؤمن النازح إلى بلاد الكفار المؤمنين، لو وجدنا خنزيرا لأكلناه.
 قلت: أطعموها حشرات، صراصير، جراد.

 قالوا: ماتت الحشرات بالكيماوي على ما يظهر، لم نعد نسمع الصراصير تغني في الليل، ولا في النهار، سكتت الجنادب.

 شتموا أوباما، وأم أوباما، أوباما الكيني هو الذي قصفنا بالكيماوي، ولكن بيد الأسد.

 الهرة تموء وتستغيث من الجوع، وقد هزلتْ كما ترى.

  بكتْ ابنتي عندما رأتْ صورة الهرة النمرية الحنون، هي هرّة غير هررة العالم، وهي أوفى من كلب، وأذكى من ببغاء.

اجتهدت ابنتي الوسطى، وراحت تدبر المكائد في ألمانيا لشراء هرة تعويضا عن هرتها التي خلفتها وراءها، عندما سمعتُ الخبر ثرتُ، وقلت ما قال عادل إمام في محكمة شاهد ما شفش حاجة: هو أنا ناقص.. الهرة ثمنها 300 يورو، والحياة في ألمانيا شاقة، لكن من حسن حظي أن البائعَين، وهما زوجان بولنديان، اشترطا موافقة الأب والأم، فوضعتُ العقدة في المنشار، ولم أمنح موافقتي المقدسة للبائعين. 

أنا كاثوليكي في الهررة و شؤونها، هرتي السورية لا تعوضها هررة الدنيا، لا أبدل هرتي بهررة متعة، الهرة هنا تحتاج إلى رعاية صحية ومراقبة أمنية، وما لا يقل عن خمسين يورو في الشهر أجرة معيشة. كنت قد كتبتُ واحدة من قصصي التي أحب، وكان عنوانها "حكاية البئر التي تموء" أروي فيها مأساة هرة صغيرة، وهي إحدى بنات هرتي النمرية، سقطت في "المنوَر"، وحاولت إنقاذها، وتركت النهاية مفتوحة في القصة على الاحتمالات، فاتصلت بي روائية عربية بعد قراءة القصة، تطمئن على سلامة الهرة!.

بعد أيام اتصل بي الطلاب الجائعون، فسألتهم عن مصير الهرة، مثل الروائية العربية، فقالوا: أكلناها من الجوع... يا طويل العمر.

 تخيلتهم وهم يغافلون هرتي الحنون ويذبحونها، لم تكن تردُّ يدَ لامس، ما إن تمسّها يدٌ أنسية حتى تغمض عينيها وتبدأ الهرير مثل ناعورة تجري من تحتها الأنهار..

- ولكن لحمها حرام أيها الدواعش!

- قاعد في أوربا تأكل لحم الخنزير، وتحرّم علينا لحم الهررة، ثكلتك أمك

قالوا: أخبرنا عن الطعام في أوربا؟

 الطعام كثير، ويرمى في النفايات ما يكفي قارة أفريقية، ما أكثر الطعام الفائض حولي، في أعراس الأتراك وموالد المغاربة و"التافل" الألماني ... ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ.
 أجمعُ مع الأصدقاء في مشارق الأرض ومغاربها، مساعدات مالية، وننقلها بطرق سرية معقدة إلى الأهل والأقربين،" فالوسترن يونيون" مراقَب، ويمتنع عن التحويلات، والنازح مراقَب، والبنوك مراقبة، والسوري مدان حتى لو ثبتتْ براءته، والمطايا تحمل المنايا، نحن نعيش في مملكة الأخ الأكبر، استطعنا بعمليات معقدة ومناقلات مالية أن نوصل مبلغا إلى الأهل، أرسلنا بضعة أوراق نقدية في زجاجة ورميناها في البحر، لكن المستلم  هو أبو خلف قريبنا، وهو من أبناء العمومة، تأخر في تسليم الأمانة إلى أهلها، وعد أن يوصل الأمانة في يوم الأحد، ومضى الأحد، ومضى الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم صار أسبوعاً، والمنتظرون يتضورون جوعا، وليس أقسى من الانتظار.

 اتصلت بشقيق أبي خلف في فرانكفورت، وشكوت له مطل أخيه، فطار عقله، وقال: أخي ابن ...، مؤكد أخّرها من أجل التجارة والأرباح، أعرفه.

 اتصلنا بأبي خلف أخيرا، فإذا توفرت الكهرباء غابت تغطية الشبكة العنكبوتية، فلا أوهى من خيطها. سمعت باسم سوري اخترع طريقة للاتصال من غير شبكة العناكب أو دود القز.. لكنها لم تعمم بعد، عاتبته، فنحن لا نريد أن نخسر أبا خلف، فهو بارع في تحويل الأموال، وأجور التحويل التي يطلبها أقل من غيره، يقبل بمناقلات مالية، نسلم ابنه في بريطانيا المبلغ، فيسلًم أهلنا بالمقابل، حالنا حال الشاعر دوقلة المنبجي: أَجمِل إِذا طالبتَ في طَلب، فَالجِدّ يُغني عَنك لا الجَدّ. أخشى أن المال صار في حواصل الطير، حاولت استرقاق قلبه، وأخبرته أن الأهل يحتاجون المبلغ المحجوز لديه، التجميد والاحتكار حرام، فخالصة تحتاج إلى عملية زرع قرنية، وأهل عاتكة جائعون، ومروة تريد أن تتزوج، وكانت صفية قد تزوجت بعد أن أرسلت لها مهرها في خفية عن أهلها، فسلّمته إلى خطيبها، قالت: إن خاطبها يحبها، ويعشقها، ولن يفديها بمال الدنيا، تزوجت ثم طلقت بعد اسبوع بسبب خلافات سياسية واقتصادية وعسكرية وأسرية، فأم العريس تغار على العريس، وحيدها، وله أختان عانستان، وهذه علامات بؤس محتم، الحماة  جعلت العروس صفية ترى نجوم الظهر في أسبوع العسل الذي لم يكمل شهره، فطلبت الطلاق.

اعتذر خلف، وقال: إنه آسف، وأخبرني أنه استُدعي إلى فرع الأمن السياسي مدة أسبوع، كانوا يسألونه عن أخيه صالح، وابنه بشير اللذين فرا إلى تركيا وبريطانيا، وطلب منه الأمن أن يقنعهما بالعودة إلى حضن الوطن.

 قلت: هل تعرضتْ إلى تعذيب؟

قال: تعذيب نفسي، أنتظر كل يوم من الثامنة حتى الثالثة عصراً، ثم أعود، لا شتائم ولا تعذيب، فقط ذل بارد.

 وعدني خيراً، وأكد لي إذا كفّ الأمنُ عنه وشبع، فإنه سيحوّل المالَ لأصحابه. أختي الصغرى اتصلتْ وأخبرتني أن أختي الوسطى جُنّتْ، فقدتْ عقلها.

كيف جُنّتْ؟

قالت: تهلوس، وتهذي وتخاطب الأشباح، وتضرب رأسها بالحيطان، سحلوا ابنها إلى الخدمة العسكرية، كان قد تخرج لتوه من كلية الحقوق، ووجد عملاً في محل قصابة، وكان يأتي لأمه بكثير من العظام، فتحوّلها إلى مرق، ويأكلون. سحلوه إلى جبهة حلب، وهو ولد نحيف، يزنُ خمسين كيلو بعد الحصار، وعنده فقر دم، وهو خجول، وتخشى أمه أن يقتل، ويذهب إلى النار، فلن يستشهد من كان يقاتل أهله، سيُقتل دون أن يلمس أنثى واحدة في حياته غير أمه.

 قلت، وقد وصل عقلي إلى حافة قبره: والمطلوب مني يا أختي؟

قالت: احكِ معها، فهي تعود إلى بعض صوابها عندما تحكي معها..

 حكيت معها، فصبرتْ وتحسنتْ قليلاً، الأعمار بيد الله يا أختي، وهناك ناس تموتُ في الشارع، وينجو ناس تحت القصف، حدثتها عن ذكرياتنا، فهي تتحسن -أثناء المكالمة، لكن الكهرباء شحيحة، والاتصالات غالية، فالشبكة اسمها العنكبوتية، وليس أوهى من بيت العنكبوت.

أعمل في "الأسود"، مخالفا قوانين العمل الألمانية، في التبليط مع معلم أثيوبي، أنقل البلاط، وقد بلغتُ من العمر ما بلغت، ابنتي أقسمتْ أن تشتري هرة، وقالت: إن هذا حقها القانوني، وقد بات لها حساب بنكي، وتستطيع أن تشتريه من حرّ مالها، رأف بي معلم البلاط الأثيوبي يوناثان، هو وبقية العمال، وجعلوني ناطورا أرقب لهم الكبسات المحتملة للشرطة على العمارة الجديدة، أمس تركتهم، كان الثلج يتساقط، فقلتُ: لن تأتي الشرطة في هذا اليوم الزمهرير. العمل لا يطيب للنازحين إلا في الأجواء العبوس القمطرير، مواطأة لعدة ما حرم الله والقانون، نزلتُ من برج المراقبة، ووقفتُ في الساحة، وقفت وحيدا في الصفحة البيضاء، كما يفعل الشعب السوري، نقطة وحيدة سورية سوداء في الوجود الأبيض الناصع..

 نقطة سوداء كانت تبيضُّ شيئاً فشيئا....

 وتغيب وتتحد مع الوجود، ندفة.. ندفة..

 حتى ضاعتْ إلا من آلامها الباردة...

كان الثلج يهمي بغزارة لا مثيل لها.

اقرأ ايضا
أضف تعليق
أرسل لصديق
إطبع المقال
تعليقات الفيسبوك




إضاءات

غضب كبير بعد منح هدى بركات جائزة البوكر العربية عن روياتها بريد الليل

توصيات الزوار