سقط رابين، ووُضع في سيارة هُرعت إلى المستشفى. بعد نحو ساعة من إطلاق النار، وبعد فشل محاولات إنقاذ حياته، خرج الإعلان إلى الشعب: رئيس الحكومة توفي متأثّرا بجراحه. في جنازة رابين، التي عُقدت بعد يومين، عرض رئيس مكتبه وثيقة صادمة: ورقة مع كلمات "أغنية للسلام"، وهي أغنية تمّ غناؤها في نهاية التجمّع، الملطّخة بدماء رابين الذي أطلق عليه النار.

كانت الصدمة في إسرائيل كبيرة. على مدى فترة قصيرة، تم وضع الجدل السياسي حول طريق رابين جانبًا، ونعى الشعب وفاة الزعيم. قال زعيم المعارضة آنذاك، بنيامين نتنياهو: "أنت تسأل نفسك: كيف وصلنا إلى وضع أنّه بعد الحظر الصارم الذي اتخذه الشعب اليهودي على نفسه، تأتي نفس الحالات من الاغتيال السياسي، وها قد حدث هذا الأمر الفظيع؟".

ورقة

ورقة "أغنية للسلام" ومُلَطَّخة بدم إسحاق رابين

ولا تزال تركة رابين في السلام مثار جدل. لا يزال الشعب الإسرائيلي غير قادر على الاتفاق على مسائل رئيسية مثل: هل السلام أفضل من الحفاظ على أراضي البلاد؟ هل يمكن الوثوق بالفلسطينيين بأن يحترموا اتفاق السلام؟ هل السلام ممكن أصلا؟ ويبدو أنّ هذا الجدل سيستمرّ في الوجود للأبد في أوساط الشعب الإسرائيلي.

ولكن من جهة أخرى، هناك في إسرائيل من يرفض تماما الاعتراف بحقيقة أنّ رابين قد اغتيل فعلا على يد قاتل عارض طريقه السياسي، وطوّروا مجموعة متنوّعة من النظريّات التي كان للشاباك يدًا فاعلة في اغتيال رابين. وتجدر الإشارة إلى أنّ أيّا من هذه الروايات لم تحظ بأيّ توثيق، ولا تزال غير مثبتة.

هناك من يدّعي أن اغتيال رابين كان محاولة لتمثيل اغتياله بهدف كسب تعاطف شعبي مع العملية السياسية التي بادرت إليها الحكومة. وفقا لهذا الادعاء، كان الشاباك هو من جنّد القاتل عمير، وأراد تسليحه برصاصات فارغة ليستخدمها في محاول الاغتيال.

بحسب هذه الرواية، كان هذا هو سبب إبقاء عمير على قيد الحياة وعدم قتله من قبل الحرّاس. ولكن حدث خطأ ما، وتمّ وضع ذخيرة حيّة في مسدّس عمير. بل وادعى أصحاب الخيال المفرط بشكل خاصّ أنّه كان لوزير الخارجية حينذاك، شمعون بيريس، يدٌ بتعبئة الرصاصات الحيّة في مسدّس عمير.

القاتل عمير بعد إعتقاله (ANDRE BRUTMANN / AFP)

القاتل عمير بعد إعتقاله (ANDRE BRUTMANN / AFP)

 هناك من ادعى أنّه قبل شهرين من عملية الاغتيال، قال رئيس الشاباك حينذاك، كرمي غيلون، إنّه من المحتمل أن يؤذي رابين "طالب يمني من هرتسليا يدرس الحقوق في جامعة بار إيلان". إذا كانت تلك الأمور صحيحة فعلا، فإنّ الوصف مناسب تماما ليغئال عمير، الذي كان طالبا للحقوق، أقام في هرتسليا وكان ابن لوالدين من أصول يمنية - يهودية. هذه الأمور تعزّز الاعتقاد بأنّ عمير كان على الأقل معروفا لدى الشاباك، بل وربما كان عميلا له.

ولكن من بين المؤمنين بنظريات المؤامرة، هناك من خيالهم مفرط بشكل أكبر: فهم يدّعون أنّ عمير لم يكن هو أصلا من أطلق النار على رابين، حيث كانت الرصاصات في مسدّسه فارغة، وأنّ رابين في الواقع اغتيل من قبل حرّاسه في الطريق إلى المستشفى. ويستند هؤلاء المدّعون على حقيقة أنّ السفر إلى المستشفى استغرق 20 دقيقة، رغم أن المستشفى كان على مسافة بضعة مئات من الأمتار فقط.

هناك بعض الأدلة، لا شكّ بأنّها حقيقية، تغذّي نظريّات المؤامرة هذه. بدايةً، حين أطلق عمير النار على رابين، صرخ أحد الحضور في المكان قائلا: "إنّها فارغة، فارغة، ليست حقيقية". ومن غير الواضح حتى اليوم من الذي صرخ تحديدًا، وهل كان هو القاتل أم شخصا آخر. والافتراض أنّه أحد رجال الشاباك، الذي اعتقد أنّه تمرين.

كانت هناك أدلة أخرى لدى زوجة رابين، ليئا، التي قالت إنّه بعد إطلاق النار قال لها رجال الشاباك إنّ "هذا غير حقيقي"، ودفعوها إلى السيارة. وتقول ابنة رابين أيضًا، داليا، إنّها اتصلت بعد إطلاق النار بوالدتها وقالت لها "أطلقوا النار على أبي، ولكن هذا غير حقيقي". لا شكّ أن هذه الأمور قد قيلت لليئا رابين، ولكن ليس هناك أيّ إثبات للسبب الذي قيلت من أجله. يبدو أنّ رجال الشاباك قد اعتقدوا بالخطأ أنّه تمرين، ويبدو أنّهم وجدوا صعوبة في أن يصدّقوا بأنّ القاتل نجح في إصابة رابين.

على أية حال، لم تلق أيّ من نظريات المؤامرة هذه تأييدًا من لجنة التحقيق التي حقّقت في عملية الاغتيال. حتى شقيق القاتل، حاجي عمير، الذي اتّهم بالمساعدة في القتل وقضى عقوبة عدّة سنوات في السجون الإسرائيلية، قال إنّ هذه النظريات غير حقيقية، وإنّ القاتل سعى فعلا لقتل رابين.

بشكل أو بآخر، فإنّ نظريات المؤامرة - النمطية لكلّ حادثة قتل شهيرة تحدث في التاريخ - لن تختفي أبدًا. وليس من المتوقع  أيضًا أن يختفي قريبًا الجدل حول طريق رابين السياسي.