شو الاخبار
, ,

هموم الناس

الرئيسية

,,

هموم الناس



من البروه الى النيرب..بحثت عن أخي ...بلسان ابو يوسف هواش

كان الطقس عاصفاً عندما خرجنا من الناصرة الى عمان، كان هذا في أواسط شباط 2003
إنها المرة الأولى التي أخرج فيها إلى خارج الوطن.
من رحل من بيته وارضه وبلدته يخاف التنقل، لكن اشتياقي لأخي الذي لم اره منذ النكبة ،55 مروا، رحل مع زوجته، كان عريسا جديداً. كانت نحف المحطة الثالثة بعد أن خرجنا من قريتنا البروة وشعب كانت المحطة الثانية.
متنزه كبير في وسط عمان أسمه "قصر الصنوبر “كانت محطتنا الأولى خارج الوطن ثم انطلقنا حتى جسر جابر الواقع على الحدود بين الضفة الشرقية والشام حتى وصلنا الى وسط دمشق، كانت الساعة تقارب العاشرة والنصف.
البرمكي، ساحة كبيرة تعادل ملعب كرة قدم كبير، وصلت حافلتنا وهناك خيم صمت رهيب، كان القلب يخفق بوتيرة عالية وكأن شريط الذكريات يدور بسرعة الأرض حول نفسها، شريط صور الرحيل وصورة أخي عمر الذي كان يكبرني ب 7 سنوات.
صوت المرشد السياحي كسر أجواء الصمت لتخرج من فمه الجملة التالية:" ديروا بالكم من النشالين" عندما وصلت الى اسفل سلم الباص أصابتني نوبة من الخوف الشديد ،شعرت أنني وصلت الى المجهول ،أصابتني نوبة من الخوف الشديد ،، المكان كان تخيم عليه الظلمة الحالكة ونحن في شباط والملقب "بشهر الزلازل والامطار"، وإذ فتفاجئ بألاف الأشخاص الذين احاطوا الحافلة، الصمت تحول الى بركان هائج. بدأت أن اهدأ الناس لنتمكن من سماع بعض، عيوني رحلت نحو مجموعة من الشباب وشعرت كأن جسدي بدأ يشتعل بدفء عظيم على الرغم من البرودة التي شعرنا بها حين وصولنا. طلبت من سائق الباص ان نستعير منه مكبر الصوت ولأنادي بأعلى صوتي وعيوني باتجاه واحد "مين هون من عيلة هواش ؟ وانتظرت ان تخرج من افواههم كلمة "نحن “وهذا ما حدث كانوا أكثر من مئة نفر.
أين اخي عمر؟ فرد أحدهم بمخيم "النيرب" وهو بانتظارك وأنا اسمي ايمن، الابن البكر وتعانقنا وبكينا، وأخبرني إن المبيت سيكون هذه الليلة في دمشق لدى أحد الاخوال من عائلة "البقاعي".
ومضت ليلة. 
في الصباح الباكر قصدنا المسجد الاموي للصلاة هناك وزيارة قبر رقية بنت الحسين رضي الله عنها وصلاح الدين الايوبي. هناك شيء ملفت للانتباه ان هذه الاضرحة كانت غارقة بالكثير من الأوراق النقدية والمعدنية منها اجنبية ومنها سورية، الجميع يتصدق، و"الله والله" الأموال الموجودة تحتاج الى شوالات لتجميعها، ولا يقترب منها احداً. وتذكرت مقولة المرشد الحذر من النشالين !!!!أي نشالين ليتق الله هذا المرشد. وبعد ذلك قصدنا سوق الحميدية، سوق كبير لم أر بحجمه في فلسطين، كان يعج بالرجال التي تقوم بشراء احتياجات البيت و"الله والله" لم أشاهد في هذا السوق المزدحم سوى 3 أو4 نساء وجميعهن يضعن الخمار الأسود ولا يمكن التعرف عليهن. ما شاء الله في هذا السوق فأنك تجد كل ما تحلم به هناك، بلاد مليئة بالخيرات، هي جنة الله على الأرض .
وصلنا محطة حلب "شركة قدموس التركية “، الجميل في هذا المكان هي المحطات التي تحمل أسماء عواصم الدول العربية والإسلامية عدا القدس. وبدأت الرحلة التي استمرت مدة 6 ساعات تقريبا مرورا بحمص وحماة ومخيم اليرموك.
وصلنا حلب، ما أجمل هذه المدينة دمعت عيني، كان والدي يحدثني عنها كثيرا لكنها أجمل من كل وصف، للوصول الى مخيم "النيرب" من حلب يحتاج نصف ساعة تقريبا كبعد عكا عن كفرياسيف .
اصطفت الحافلة بجانب الجامع، كان بانتظاري أولاد اخي التسعة (6 رجال و3 نساء)، دخلنا المخيم من خلال زواريب صغيرة وضيقة ووسيلة النقل الوحيدة هي الدراجات النارية ذوات العربة الجانبية.
وصلنا البيت وافترشنا الفراش الموضوع على السجاد (قعدة فلاحية) وبعد العناق واحتساء القهوة وتقديم الضيافة والحلويات ،سألتهم "وين اخويّ عمر" فرد احدهم "هلأ بصل" ولم أهدأ وسألت مجددا عن اخي والرد كان هو ذاته "هلأ بصل". وشعرت بداخلي أن هناك شيء ما يريدون إخفائه عني، لكني تريثت وأقنعت نفسي ان لهفتي على أخي هي التي جعلتني أن اسلك هذا السلوك.
ابنة أخي البكر طلبت مني أن ارافقها الى إحدى زوايا البيت، اسمها فاطمة وتحمل ليسانس آداب في موضوع اللغة الإنجليزية، أخبرتني أنه أخي، والدها قد مات ولم يحتمل قلبة فرحة قدومك هنا لزيارته، مات فرحا لأنه كان سيلتقيك. صراخي ولوعتي وصل عنان البروة ...
خرجت من البيت والهروب من المخيم للوصول الى المقبرة لزيارة أخي، في الطريق هناك أزقة كثيرة تحمل أسماء قرى ومدن فلسطين، اسماء تم حفظها عن ظهر قلب.
أحد الاحفاد لحق بي وقال لي "وقف أنا اسمي صالح على اسمك حكالي جدي عنك ،ليش عم تبكي ،البكى مش للرجال ،تعال احكيلي عن فلسطين عن البروة عن حيفا عن عكا عن يافا عن صفد ولّ يا سيدي ،أحنا منحلم لنرجع أنت ريحة الوطن يا سيدي ،احكيلي على التينات والقمحات والصبرات ،احكيلي يا سيدي ".
لا أعرف ماذا اصابني واقتنعت بحديث صالح حتى وصلت قبر أخي، قرأت الفاتحة وقبلت تراب قبره. وحدثت صالح عن فلسطين.
(نقلها عن لسانه علي الزيبق)

اقرأ ايضا
أضف تعليق
أرسل لصديق
إطبع المقال
تعليقات الفيسبوك




إضاءات

تم هذا الأسبوع توقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين مكتب مراقب الحسابات سليم بديع جريس....

توصيات الزوار